السيد محمد حسين فضل الله
272
من وحي القرآن
الشاهد في ذاته من خلال حضور الذات في الذات ، وهو الخالق للكون كله ، والمطلع عليه في علمه بالنفي المطلق للشرك ، ولا يملك النفي المطلق غيره ، فإن المحدود لا يمكن أن يدرك إلا الواقع المحدود ، فلا يجد سبيلا إلى الحقيقة في دائرة النفي إلا من خلال العقل ، لأنه لا يملك الحس الذي يشمل الوجود كله ، ليعرف - من خلاله - أين يكون النفي حقيقة ، وأين يقع الإثبات في موقعه التوحيدي ، وهو الذي تنطلق شهادته في دائرة غناه الذاتي ، فلا يحتاج إلى أن يعرفه أحد من خلقه ، لتكون الشهادة وسيلة من وسائله الحيّة في الوصول ، ذلك ؛ لأن معرفة خلقه له حاجة حيوية للاحساس بمعنى وجودهم ، والانفتاح على مصدر القوة الذي هو مصدر الوجود في حياتهم . وتلك هي الشهادة التي تمنح الحقيقة لكل مخلوق حيّ ، فيحس بها في ذاتياته ، حتى لتتحول في داخله إلى ما يشبه إحساس الذات بالذات في معنى الفطرة ، وقد تحدّث البعض عن النزاع في أن الشهادة هي بالقول أو بالفعل ، ونحن لا نرى في هذا الحديث فائدة يتحرك النفي أو الإثبات نحوها ، لأن اللَّه أعطى الكلمة في الشهادة بتوحيده من خلال وحيه ، كما أعطى الواقع الشهادة الحسية المتجسدة في الكون كله الناطقة في مضمون وجودها بأنه اللَّه الذي لا إله إلا هو في معنى الفطرة الوجودية للكون كله ، ولن تحتاج الكلمة إلى دليل في صدورها عنه ، لأن معناها في داخل ذاتها ، من حيث إن التوحيد هو حقيقة الوجود ، فهو الذي يشهد للكلمة على صدقها ، وليست هي التي تؤكد صدقه في معنى الحقيقة في ذاته . وَالْمَلائِكَةُ الذين عاشوا الفناء في اللَّه والذوبان في عبادته ، والخضوع لعظمته والخشوع أمام ربوبيته ، فهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [ الأنبياء : 26 - 27 ] ، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [ الزمر : 75 ] .